محمد أبو زهرة
2098
زهرة التفاسير
ومنها - أن ذكر الإهلاك في هذا المقام فيه دلالة مادية في زعمهم على بطلان ما يدعون ؛ لأنهم زعموا أن عيسى أهلكه الرومان بتحريض وشهادة الزور من اليهود لعنهم الله ، فكيف يكون إلها ، وهو لا يملك حماية نفسه ، مع أن وصف الإله يوجب أن تكون قدرته على الإهلاك والإبقاء ثابتة . ومنها - أنه ذكر المسيح مضافا إلى أمه ، على أنه متولد منها ، فكيف يكون من الفاني الإله الباقي ، وهو ابن الله في زعمهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . وإن الذي يستمسكون به بالباطل في هذا الزعم الباطل أنه خلق من غير أب ، وقد رد سبحانه وتعالى زعمهم في قضية عامة بقوله تعالى : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ . هذه الجملة السامية مع إبطالها لزعمهم في مقام الحال من الجملة السابقة ، فهي مؤيدة لمعنى القدرة على الإبقاء والإهلاك والإحياء ، ورادة على زعمهم أن عيسى خلق من غير أب ، فيكون ابنا لله ، تعالى الله عند ذلك . والمعنى أن لله سبحانه وتعالى الملكية التامة للتصرف في السماوات بطبقاتها المختلفة ، والنجوم ومداراتها وما بين السماء والأرض من فضاء تجرى فيه السحب بأمره ، ويطير فيه الطير ، ويسبح فيه ، ثم ما يصنعه الإنسان من طائرات تقطع أجواء الفضاء ، كل ذلك مملوك ملكية تامة لله تعالى ، ولا توجد ملكية تامة في شئ من الأشياء إلا لله سبحانه وتعالى ، فكل مالك من الناس ملكيته نسبية ، وليست تامة أو مطلقة ، بل هي مقيدة . وإرادته سبحانه وتعالى مطلقة في خلق الأشياء ؛ ولذلك قال تعالى : يَخْلُقُ ما يَشاءُ . وهذه الجملة في مقام الثمرة والنتيجة لما قبلها من قدرة مطلقة لا حد لها ، ومن ملكية مطلقة لا قيد يقيدها ، فهو يخلق ما يشاء ويريد ، فيخلق ذكرا أو أنثى فهو يجعل لهذا ذكرانا ، ولهذا إناثا ، ويجعل من يشاء عقيما ، ولا قيد يقيد إرادته ، في طريقة الخلق والتكوين ، فيخلق الناس من أب وأم ، ويخلق آدم من غير أب ولا أم ، ويخلق عيسى من أم ، ومن غير أب . . وهكذا .